المشاركات

دارنا .. السالفة

صورة
لم أدرك لماذا أصر والدي، رحمه الله، على أن يضع تاريخ البناء على الحجر الذي يتوسط واجهة دارنا! كنت أسخر من ذلك الأمربداخلي، وأقول لنفسي: على أساس بيتنا قلعة تاريخية، - إذ كنت أستسيغ وضع التواريخ المحفورة على الأوابد التاريخية فقط- لكني اليوم وأنا أرى فيلما تسجيلاً عن عجوز فلسطينية، تحاول العودة إلى بيت أهلها في القدس، إلى مكان ولادتها وأماكن لهوها وهي فتاة صغيرة، إلى مرابع طفولتها، لفت انتباهي ذكرياتها عن تفاصيل شكل البناء الذي لم يسمح لها (المستوطن)  أن تدخله، فبقيت تقارن البيت من الخارج بصور ذاكرتها..ناهيك عن ذكرياتها عن الحديقة التي كانت (جنتها) آنذاك.. تتذكر بدقة ذاك الحديد المزركش الذي تحدثت عن جمال شكله وهو يغطي أعلى  القوس الحجري  للأبواب والشبابيك في ذاك البيت الحجري الجميل. ما لفتني انه كانت قد حُفرت على الحديد (بطريقة التفريغ) سنة ١٣٤٢ (اعتقدها هجرية)، فتذكرت إصرار أبي على كتابة تاريخ تأسيس بناء دارنا تحت عبارة:  لاتكن للعيش مجروح الفؤاد/ إنما الرزق على ربّ العباد (هذا من فضل ربي) .. فهل كان يعتقد أن ذلك سيوثق أننا أبناء هذه الديار وهذه الأرض، في...

لفلسطين، سنبقى نغني

صورة
سنبقى نعيد الحكايات التي هي حجر أساس وجداننا .. لفلسطين سنبقى نغني 🇵🇸  ........ ..... لم أكن اعرف سبباً لدموعي كلما سمعت أغاني الاعراس الفلسطينية ... !! واليوم يبدو أن السبب قد اتضح ... صور  ترمح في ذاكرتي .. ووجوه لا أذكر تفاصيلها .. إلا أنها حفرت تماثيلها في وجداني .. كنت طفلاً لا اتجاوز السادسة حين أفلت رجال المنظمات الفلسطينية من محرقة أيلول الأسود في احراج جرش وعجلون واربد الاردنية القريبة منا في درعا ..  في مثل هذا اليوم ومنذ ثلاثة وأربعون عاماً، وفي "تشاركين" ١٩٧٠، كان الدم الفلسطيني  يعبق في ديارنا.. على فرشنا و في شرفاتنا ودفء بيوتنا التي شَرُفت بإيواء هذه العائلات الهاربة بأرواحها وأرواح أبنائها ، هذه العائلات التي كانت تبدو لنا أكثر "تحضراً" وأكثر "تمدناً" .. صبايا جميلات .. رجال كلهم حياة و إرادة برغم كل مواجعهم ومعاناتهم ،و كل ما فقدوه من غالٍ وعزيز .. فبرغم كل المواجع التي سمعتها منهم او نقلاً عنهم .. فهم قد اصروا على الحياة وساروا في سهلها ووعرها ..  واذكر أني في مثل هذي الأيام حضرت واهلي وابناء بلدتي ( درعا البلد ) عرساً لشاب ...

شرفة الغريب ..

صورة
قبيل أن يتشح الأفق الشرقي للمدينة بزرقة الفجر، توقف لأنه لم يعد قادراً على إكمال الطريق .. كان الإنهاك والألم قد سلباه آخر طاقة على الحركة .. الضوء الشاحب يتسرب إليه من طرف ستارة غرفتها التي تطل بزجاجها على الأفق الشرقي للمدينة البعيدة .. كانت تبدو له من طرف الشرفة، شاحبة وشبه غافية وهي تكاد تغرق بين أوراقها وكتبها.. خشي أن يقترب من البللور كي لا يثير رعبها في هذا الوقت، وفي وسط صمت المكان .. فآثر أن يتحايل على برودة الصباح بأن يتكور على ذاته بانتظار أن تطلع الشمس، عساها تمده بدفئها فيستعيد شيئاً من طاقته ..  كانت بقايا دفء صدره قد جعلته يغفو . .. ..... لم يدرك متى لجأت الى فراشها أثناء غفوته .. استجمع آخر قوة له، واقترب من بلّلور شرفتها الصغيرة، نقر بهدوء كي لا يفزعها .. يبدو أن النقرات لم تصل الى سمعها الغافي.. حاول أن تكون ضرباته أقوى قليلاً ..لكنه لم يفلح، خانته طاقته..فاستجمع كل ما بداخله من حب للحياة..  هي آخر ملجأ له ، و آخر فرصة للنجاة .. نقر .. نقر، أو تخيل أنه يضرب البللور .. ثم ارتخى رأسه على صدره الذي كانت تزداد برودته أكثر مع نفاذ الوقت .. بدأ الخدر ينتشر في أرجاء...

أعتذرُ عما كتبت...

صورة
أعتذرُ عما كتبت.. في زمان مضى وقد كنت شاباً يافعاً. حاولت أن أكتب قصة قصيرة عن شارع في مديني، و كان أكثر ما يلفت انتباهي في شارع "هنانو" هي ثلاثة أشياء، أولها و أضخمها مبنى "البنك" ،ولا أدري لأي البنوك يتبع، لكن كان اسمه البنك، ترتقي إلى مدخله بسبع درجات حجرية على طول المدخل، وهو ذو سطح قرميدي، كان شكله مهيباً وسط مباني السوق المتفاوتة، وثانيها تلك الحنفية الصفراء النحاسية على ناصية البنك مع شارع هنانو، إذ كانت تخرج من عمود اسمنتي يرتفع حوالي المتر وعند قاعدته مصرف للمياه التي كانت عذبة لا تنقطع، يشرب منه معظم من عبروا ذلك الشارع يوماً ما..  أما ثالثها، فكان مقهى الكمال،الذي يواجه البنك على الرصيف المقابل..  كان يجلس فيه الناس، بكل فئاتهم ،لأنه في وسط المدينة تماماً، وربنا كان المقهى الوحيد ، كانت له واجهة زجاجية على امتداده، وللدقة هي واجهة خشبية بفتحات زجاجية كبيرة ..مما يتيح لي أن أرى  وأسمع تفاصيل كثيرة بداخله، الأبخرة، وسحب الدخان، طرطقات أحجار النرد، أشم روائح التنباك الكثيف..اسمع قرقعة الماء في قوارير الأراگيل، ورنين كؤوس الشاي والزهورات.. صوت خرب...

يوم سوري.. عصيب

صورة
أواخر نيسان، وفي ذروة أيام اقتحام درعا_البلد وحصار باقي الأحياء و ضواحي المدينة..تخلص كثير من السوريين، من حذرهم، ومن هواجس الخوف من غول النظام ، بل قاموا بأفعال بطولية، ومنهم من دفع حياته ثمناً لهذه الجرأة..  ..  بعد ظهيرة ذاك اليوم، دخل رجل الأمن الأنيق والوسيم إلى غرفة الضيوف، كان على وسطه مسدساً وجعب للطلقات تزنر خصره ، استقبله رجل البيت برفقته طفلته ذات السبع سنوات.. بدأت" الدردشة "الغير مفهومة الدوافع تأخذ شكلاً استفزازياً، والحوار الاتهامي لأهل البلد أنهم جزء من مؤامرة دولية وامبريالية عالمية و و و "طقم جاهز" من المصطلحات التي صُنِّعت لوصف من "يستهدفون" سوريا و قيادتها... حاول بعدها أن يوجه الكلام للطفلة متصيداً: _ بيِّك،. أبوكي، بيطلع بالمظاهرات يا حلوي..  فأجابت الطفلة بكل وضوح وبراءة : _ بابا لأ. بس ماما بتطلع بالمظاهرة..  امتقع وجه الأب خوفاً،وود لو يخفي الطفلة، ابتسم محاولاً تبديد الحالة المتوترة..  _يعني الماما مَتْشارك بالمؤامرة عالدولة؟  كانت الأم في المطبخ القريب، يصل إلى مسامعها كل الحوار المستفِز، وكانت قد بدأت بتحضير قهوة الإ...

الناصية..

صورة
اتعبني طول المسير وحيداً في شوارع القاهرة..  مدينة أكثر من ضخمة على استيعابي واحتمالي و أنا القادم من مدينة كنت أعبرها مشياً من أقصاها إلى أقصاها بأقل من ساعة حتى لو كنت ثملاً .. لحظة رأيته على ناصية أحد شوارع "وسط البلد" ، لفتني في البداية لباسه الحوراني الكامل..  كان يرتدي "الطقم العربي" وهو زي مستغرب في هذي الديار، اعتقدت بداية أن أضواء الشارع الليلية هي ما أوحى لي بشكله هذا، لكنني كلما اقتربت من الرجل، اتضحت التفاصيل أكثر. "الدشداشة" وفوقها جاكيت أنيق من نفس القماشة.. لا بل وكان يبدو تحت الجاكيت (صدرية) لها أزرار قماشية كروية واحدها تشبه حبة البنّ، تحيطها زخرفة حريرية تبدو بديعة بخطوطها المتقنة ..  كان شكله بهياً جذاباً عمره كما بدا لي قد جاوز السبعين ،لكن شارباه الأبيضين الكثّين، ونضارة وجنتيه وإلتماعة عينيه ، و قامته المنتصبة، كانت تقول أنه رجل لا يشيخ  ..  كانت "القضاضة" البيضاء على رأسه يثبتها "عقال" أسود داكن،وينساب طرفها الأيمن إلى وسط الرجل، والطرف الآخر كان ملفوحاً على كتفه الأيسر، أناقته، طلعته، رائحة عطر العنبر...

وصية..

صورة
تصفحت الأوراق العتيقة التي أرسلها أخي منذ شهور.. وغرقت في تفاصيلها ساعات وساعات، ولست أدري متى كانت اللحظة التي جاء بها أبي.. وكان جسده ضعيفا، وصوته واهناً، يبدو في مرض شديد ..سارعت لمساعدته و أجلسته إلى مكتبي.  تحامل على نفسه وجاء..لمته على إرهاقه لنفسه بالمجيء، فطلب مني ورقة كي يكتب شيئاً يخصني به، و أخرج قلمه الباركر ذي الحبر الجاف، والذي لم يفارقه قط.. فأسرعت إلى غرفتي لأحضر دفتر ملاحظاتي الخاص لاعتقادي أنه سيكتب شيئاً مهماً بالنسبة لي .. فتحت له  الدفتر وجلست قبالته أتأمل وجهه الشاحب والمنكب على الكتابة.. إلى أن سقط رأسه من مدى رؤيتي، فشهقت،وصحوت من غفوتي على طاولة مكتبي..نظرت أتفقد المكان، بأثر ما علق برأسي.. كان دفتر الملاحظات لا يزال مفتوحاً.. و كان على الورقة آثار حروف وكلمات لم أستطع جمع شيء منها..  اقتطع أبي الورقة و رحل..