الناصية..
اتعبني طول المسير وحيداً في شوارع القاهرة.. مدينة أكثر من ضخمة على استيعابي واحتمالي و أنا القادم من مدينة كنت أعبرها مشياً من أقصاها إلى أقصاها بأقل من ساعة حتى لو كنت ثملاً .. لحظة رأيته على ناصية أحد شوارع "وسط البلد" ، لفتني في البداية لباسه الحوراني الكامل.. كان يرتدي "الطقم العربي" وهو زي مستغرب في هذي الديار، اعتقدت بداية أن أضواء الشارع الليلية هي ما أوحى لي بشكله هذا، لكنني كلما اقتربت من الرجل، اتضحت التفاصيل أكثر. "الدشداشة" وفوقها جاكيت أنيق من نفس القماشة.. لا بل وكان يبدو تحت الجاكيت (صدرية) لها أزرار قماشية كروية واحدها تشبه حبة البنّ، تحيطها زخرفة حريرية تبدو بديعة بخطوطها المتقنة .. كان شكله بهياً جذاباً عمره كما بدا لي قد جاوز السبعين ،لكن شارباه الأبيضين الكثّين، ونضارة وجنتيه وإلتماعة عينيه ، و قامته المنتصبة، كانت تقول أنه رجل لا يشيخ .. كانت "القضاضة" البيضاء على رأسه يثبتها "عقال" أسود داكن،وينساب طرفها الأيمن إلى وسط الرجل، والطرف الآخر كان ملفوحاً على كتفه الأيسر، أناقته، طلعته، رائحة عطر العنبر...